نهج كثير من الشعراء منهج البردة في مدح الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، معتبرينها المثال والأيقونة في المديح النبوي كما أوضحنا سالفا. ومنهم من نهج منهجها قلبا وقالبا وعارضها وزنا وقافية، ومنهم من شطّرها ومنهم من خمّسها ومن سدّسها ومن سبّعها. وأكثر هؤلاء الشعراء اختار معارضة القصيدة في شكلها الأساسي ومن هؤلاء أسماء لها ثقلها في تاريخ الشعر العربي ومنهم من كادت تمحى أسماؤهم لولاها.
وتباعا، إن شاء الله تعالى، سنأتي على ذكر نفر من هؤلاء الشعراء مع نقل نهج بردتهم كاملة ما استطعنا لذلك سبيلا، والبداية أحبها أن تكون مع شاعر لطالما أغرمت بشعره الجامع بين أفضل ما في عصرين عظيمين من عصور الشعر العربي ألا وهما العصر الجاهلي والعصر العباسي. هو شاعر عرف على أنه باعث الشعر العربي من موته، ولقب برائد الشعر العربي المعاصر، إنه فقيد السيف والقلم من أحيا دولة الشعر بعد العدم الأمير الأفحم والوزير الأعظم،، الشاعر العربي المصري المتأثر بالثقافتين الفارسية والتركية محمود سامي باشا البارودي.
إن للبارودي نهج بردة ملحمية في 447 بيتا عنوانها ((كشف الغمة في مدح سيد الأمة))، أترككم مع نتف مختارة من مقالة شيقة عنوانها ((قراءة في آثار ‘‘البارودي’’: من هنا مر شاعر))، نشرت في العدد 431 من مجلة العربي بتاريخ أكتوبر1994:
((
ومما ترك محمود سامي البارودي من إرث شعري، ملحمته الدينية ورائعته الأدبية التي قالها في مدح الرسول الكريم كشف الغمة في مدح سيد الأمة. وقبل أن ندخل في تفاصيلها لابدّ من القول إن المدائح النبوية، ظلت تتطور طيلة سبعة قرون إلى أن أصبحت فنا مستقلا، قائما بذاته. ففي القرن السابع للهجرة توافرت لها تقاليد ناضجة تجاوز لامية كعب ابن زهير، ودالية الأعشى ومدائح حسان بن ثابت.
وهذا الفّن مدين لأبي عبدالله محمد البوصيري الذي توّجهُ بميميته الشهيرة البردة. وفيما بعد، عارض شعراء كثيرون بردة البوصيري واستخدموا في معارضاتهم فنا جديدا آنذاك هو فن البديع.
وظلت بردة البوصيري ومعارضاتها، مصدر تحد لكل من كتب في المدائح النبويّة في العصر الحديث.
وإذا كان البوصيري قد خلّص بردته من قيود وعصر الانحطاط، فإن البارودي قد خلّص الشعر العربي كلّه مما كان فيه من وهن وضعف وبديع متكلّف.
… نظم البوصيري قصيدته، استشفاعا عند الله تعالى ورسوله الكريم كي يشفيه من فالج (شلل) أودى بنصفه. ونظم البارودي ملحمته ذريعة أمت بها يوم المعاد، وسلّما إلى النجاة من هول المحشر.
ويشترك الشاعران في الفخر بمشاركة النبي العربي، اسمه الكريم، إذ يقول البوصيري:
فإنّ لي ذمةً [منه] بتسميتي *** محمداً، وهو أوفى الخلق بالذمم
ويقول البارودي :
أم كيف تخذلني من بعد تسميتي *** باسمٍ له في سماء العرش محترم
لكن ملحمة البارودي تمتاز عن بردة البوصيري في محاكاتها أسلوب القدماء.
من ذلك مثلا: الاستطراد. ففيما يكتفي البوصيري بالإشارة إلى قصة الغار الذي لجأ إليه النبيٌ في المدينة، نجد شاعرنا، يفصّلُ في وصف الحمامتين والعنكبوت وعملهما، ويستغرق في ذلك، مبتعدا عن موضوعه الأصليّ وهو المديح، كما كان يفعل القدماء تماما؛ إذ يستغرقهم وصف الناقة فيما هم يمدحون أو يرثون، أو غير ذلك.
يبدأ البارودي ملحمته بالنسيب في مجاراة لبداية بردة البوصيري لكنه يجنح بها إلى الحكمة التي تخلو منها البردة، وكأنه يرغب في المقارنة بين معاناة النبي الكريم في قومه ومعاناة الشاعر في قومه! يبدو ذلك جلياّ في الأبيات من 96 إلى 116 والتي يذكر فيها نزول الوحي واضطلاع الرسول الكريم بأعباء الرسالة في سن الأربعين.
ومن اللاّفت في ملحمة البارودي عنايته بالوصف عموماً وبوصف جيش النبي وغزواته خصوصا.
ويبدو أن تجربة الشاعر كجندي ومقاتل، فارس، وما تثيره ذكرى الوقائع في نفسه قد جعلته يخوض قصيدته، فارساً لا ناظما! …
يقول في وصف أصحابه من معاركه:
إذا نحن سرنا، صرّح الشر باسمه *** وصاح القنا بالموت واستقتل الجندُ
ويقول في صحابة الرسول الكريم:
بيض أساورة، غلْبُ قساورة *** شكْسٌ لدى الحرب مطعامون في الأُزمِ
))
يا رَائِدَ البَرقِ يَمّمِ دارَةَ العَلَمِ *** وَاحدُ الغَمامَ إِلى حَيٍّ بِذِي سَلَمِ
وَإِن مَرَرتَ عَلى الرَّوحاءِ فَامرِ لَها *** أَخلافَ سارِيَةٍ هَتّانَةِ الدِّيَمِ
مِنَ الغِزارِ الَّلواتي في حَوالِبِها *** رِيُّ النَّواهِلِ مِن زَرعٍ وَمِن نَعَمِ
إِذا اِستَهَلَّت بِأَرضٍ نَمنَمَت يَدُها *** بُرداً مِنَ النَّورِ يَكسُو عارِيَ الأَكَمِ
تَرى النَّباتَ بِها خُضراً سَنابِلُهُ *** يَختالُ في حُلَّةٍ مَوشِيَّةِ العَلَمِ
أَدعُو إِلى الدَّارِ بِالسُّقيا وَبِي ظَمَأٌ *** أَحَقُّ بِالريِّ لَكِنّي أَخُو كَرَمِ
مَنازِلٌ لِهَواها بَينَ جانِحَتي *** وَدِيعَةٌ سِرُّها لَم يَتَّصِل بِفَمي
إِذا تَنَسَّمتُ مِنها نَفحَةً لَعِبَت *** بِيَ الصَبابَةُ لِعبَ الريحِ بِالعَلَمِ
أَدِر عَلى السَّمعِ ذِكراها فَإِنَّ لَها *** في القَلبِ مَنزِلَةً مَرعِيَّةَ الذِمَمِ
عَهدٌ تَوَلّى وَأَبقى في الفُؤادِ لَهُ *** شَوقاً يَفُلُّ شَباةَ الرَأيِ وَالهِمَمِ
إِذا تَذَكَّرتُهُ لاحَت مَخائِلُهُ *** لِلعَينِ حَتّى كَأَنّي مِنهُ في حُلُمِ
فَما عَلى













